ثقافة من الذاكرة إلى الخوارزميات: أربعة بلدان تلتقي في مختبر إبداعي بأبيدجان
في الثاني عشر من أكتوبر 2026، انطلقت بأبيدجان الإقامة الأولى من الدفعة الثانية لبرنامج «ورشات جنوب-جنوب: هنا وهناك»، بمشاركة أربعة عشر مشروعا من تونس وكوت ديفوار والبنين وجزر القمر. وعلى امتداد أسبوع، تتحول المدينة إلى فضاء لاختبار الأفكار وتبادل الخبرات، حيث تلتقي الحكايات المحلية بأدوات الإبداع الرقمي، ويصبح تطوير المشروع جزءا من التفكير في معناه وشروط وصوله إلى الجمهور.
ما الذي يحدث حين تصبح ندرة المياه مادة للعبة فيديو؟ وكيف يمكن لموقع إلكتروني أن يستعيد تاريخ الأنهار من وجهة نظرها هي، لا من خلال الرواية البشرية وحدها؟ وهل يستطيع فضاء رقمي أن يكشف ما لا يظهر في السعر النهائي لقطعة حرفية: زمن إنجازها، وحركات صانعها، والمعرفة التي انتقلت بين الأجيال؟
هذه بعض الأسئلة التي تفتحها المشاريع المشاركة في الدفعة الثانية من برنامج «ورشات جنوب-جنوب: هنا وهناك». فالرهان لا يقتصر على اكتساب مهارات تقنية أو تحويل فكرة أولية إلى منتج رقمي، بل يشمل أيضًا البحث عن صيغ جديدة لرواية التجارب المحلية وإعادة تقديمها ضمن وسائط قادرة على مخاطبة أجيال وجماهير مختلفة.
حين تصبح الحكاية المحلية مادة للابتكار
تأتي المشاريع الأربعة عشر من سياقات ثقافية مختلفة، لكنها تلتقي عند اهتمام مشترك بإمكانات التكنولوجيا في حفظ الذاكرة، وتداول المعرفة، وابتكار أشكال جديدة للتعبير.
في تونس، تنطلق لعبة الفيديو راوية، التي تطورها نيجاد باكر، من تجربة الانقطاعات المتكررة للمياه في قفصة، لتتخذ من الماء مدخلا إلى أسئلة تتصل بالتاريخ والثقافة والعلاقة اليومية بالموارد. أما مشروع The Musician’s Path لمحمد علي ومحمد هادي الكشيش، فيقترح مسارا تفاعليا للتعرف إلى الطبوع والمقامات الموسيقية التونسية، عبر تجربة تجمع بين اللعب والتعلم والسرد.
وفي مشروع Traces of Memories، تستعيد ندى بن لغّة ذاكرة حلق الوادي من خلال فيلم تحريك يربط الخيال بالأمكنة المفقودة، مستحضرًا مبنى «لا جيتي»، وهو مطعم وكازينو سابق اندثر، بوصفه أثرًا من آثار الذاكرة المعمارية والجماعية.

في كوت ديفوار، يسعى مشروع CinéManiac لفان زروه نويل إلى إعادة رواية تاريخ السينما الإيفوارية والأفريقية من خلال محتوى وثائقي رقمي، انطلاقًا من فجوة بين تاريخ سينمائي غني وبين معرفة محدودة به لدى قطاعات من الجمهور الشاب. وفي البنين، تتجه مشاريع أخرى إلى الرقصات التقليدية، وحكايات الأنهار، والتراث الثقافي، وإتاحة الإنتاجات السمعية البصرية الأفريقية عبر المنصات الرقمية.
أما مشروع Ce Que Vaut le Geste لمحمد قاسم، القادم من جزر القمر، فينطلق من صناعة «الكوفية» التقليدية ليطرح سؤالًا يتجاوز الحرفة ذاتها: ما الذي لا يستطيع السعر التعبير عنه؟ تقترح المنصة الرقمية مسارًا تفاعليًا يكشف المواد والأدوات والحركات والمعارف المتوارثة التي تمنح القطعة الحرفية قيمتها، قبل أن تتحول إلى سلعة في السوق.
لا تنحصر أهمية هذه المشاريع في تنوع وسائطها، من ألعاب الفيديو والتجارب الغامرة إلى المنصات الرقمية والأعمال العابرة للوسائط. ما يجمع بينها هو محاولة نقل المعارف والذاكرات من سياقات تداولها المحدودة إلى فضاءات جديدة، دون فصلها عن البيئات الاجتماعية والثقافية التي منحتها معناها.
من الفكرة إلى شروط وجودها
تضع الإقامة الأولى بأبيدجان هذه الأسئلة داخل مسار عملي لتطوير المشاريع. فمن 12 إلى 17 أكتوبر، يعمل المشاركون على بلورة أفكارهم من خلال ورشات التفكير التصميمي وتطوير السرد، وصياغة القيمة التي يقدمها كل مشروع، إلى جانب جلسات الإرشاد الفردي والعمل على نماذج أولية.
ويتضمن البرنامج أيضا مختبرا للمشاريع المتقاطعة، يتيح للمشاركين عرض أفكارهم أمام الآخرين، وتلقي الملاحظات، وتبادل المعارف والخبرات. هنا، لا تعود العلاقة بين أصحاب المشاريع مجرد لقاء بين أفراد ينتمون إلى بلدان مختلفة، بل تصبح فرصة لاختبار طرق التفكير والعمل، واكتشاف ما يمكن أن تنتجه الاختلافات من إمكانات جديدة.
ويشرف على المرافقة كل من سهير مكوَر، وأسماء سعيد، وطارق اللموشي، وفارس الخياري، وأميرة بن سعد. وتجمع هذه المرافقة بين الجوانب الفنية والتقنية وريادة الأعمال، في محاولة لمساعدة أصحاب المشاريع على الانتقال من الفكرة إلى تصور أكثر وضوحًا بشأن إمكانات إنجازها وتطويرها.
لكن بناء مشروع إبداعي لا ينتهي عند إنتاج نموذج أولي. فثمة أسئلة أخرى تتعلق بكيفية وصول العمل إلى جمهوره، وباستمرارية إنتاجه، وبالقدرة على إيجاد موارد تمويل وتوزيع مناسبة. لذلك، يشكل التفكير في النموذج الاقتصادي وآليات تقديم المشروع جزءًا من المسار، إلى جانب العمل على مضمونه الفني.
تعاون جنوب-جنوب: من تبادل الخبرات إلى بناء علاقات مستمرة
تكتسب هذه الإقامة معناها أيضا من السياق الذي تنتظم فيه. فالبرنامج، الذي تحمله جمعية الملتيميديا والسمعي البصري (AMAVI) بالشراكة مع جمعية Africadoc في كوت ديفوار ووكالة تنمية الفنون والثقافة (ADAC) في البنين، يسعى إلى بناء شبكة تربط الشباب العاملين في الصناعات الثقافية والإبداعية عبر بلدان أفريقية متعددة.
وبعد تجربة الدفعة الأولى التي جمعت مشاريع من تونس والمغرب والسنغال، تنتقل الدفعة الثانية إلى فضاء جغرافي جديد، بمشاركة تونس وكوت ديفوار والبنين وجزر القمر. ولا يتعلق هذا الانتقال بتغيير أماكن الإقامة فحسب، بل بتوسيع دائرة العلاقات المهنية والثقافية التي يمكن أن تستمر بعد انتهاء الورشات.
يمتد البرنامج على تسعة أشهر، تتوزع خلالها أنشطة التكوين والإرشاد والإقامات المشتركة. وتشكل أبيدجان المحطة الأولى في هذا المسار، على أن تتواصل الإقامات في كوتونو وتونس.
في هذا السياق، لا تُقاس قيمة التعاون فقط بعدد المشاريع المنجزة أو الأدوات المكتسبة، وإنما أيضًا بقدرته على فتح مساحات للعمل المشترك، وتداول الخبرات، وتطوير علاقات لا تظل محصورة في مدة البرنامج.
تبدأ الإقامة في أبيدجان من فكرة بسيطة: لا ينبغي أن تبقى الحكايات المحلية أسيرة أشكالها التقليدية في التداول، ولا أن تفقد خصوصيتها حين تدخل المجال الرقمي. وبين هذين الاحتمالين، تحاول المشاريع المشاركة البحث عن لغة جديدة للذاكرة والمعرفة والخيال؛ لغة تسمح للتكنولوجيا بأن تصبح امتدادًا للتجربة الثقافية، لا بديلًا عنها.